معادلة الروح: هل نجح العلم أخيرًا في قياس مستوى الوعي؟
لطالما كان الوعي هو “الشبح في الآلة”. نحن نعلم أننا موجودون، ونشعر بـ “الأنا” التي تسكن خلف أعيننا، لكن إذا طلبنا من العلم أن يخرج مسطرة ليقيس هذا الوعي، كان الجواب دائمًا صمتًا محرجًا.
كيف يمكن قياس شيء غير مادي؟ هل الوعي مجرد “مصباح” يضيء ويطفأ (إما واعٍ أو غير واعٍ)، أم أنه طيف متدرج يمكن حسابه بالأرقام؟ مؤخراً، بدأ علم الأعصاب والفيزياء النظرية في تحويل هذا السؤال الفلسفي إلى معادلة رياضية قابلة للقياس. نحن نقترب من عصر قد نتمكن فيه من قياس “الروح” بوحدات “البت” (Bits).
أبعد من “فتحة العين”: خداع السلوك
تقليديًا، استخدم الأطباء “مقياس غلاسكو للغيبوبة” (GCS)، الذي يعتمد على السلوك: هل يفتح المريض عينيه؟ هل يستجيب للألم؟
لكن هذا المقياس خادع. هناك حالات مرعبة مثل “متلازمة المنحبس” (Locked-in Syndrome)، حيث يكون المريض واعيًا تمامًا بكل ما يدور حوله، ويفكر ويشعر، لكن جسده مشلول بالكامل ولا يستطيع تحريك جفن. هنا، السلوك يقول “صفر وعي”، بينما الحقيقة تقول “وعي كامل”. لذا، كان لا بد من البحث عن المقياس داخل الدماغ لا في حركات الجسد.
نظرية “فاي” (Phi): الرياضيات تكشف الوعي
العالم “جيوليو تونوني” قدم واحدة من أكثر النظريات جرأة: “نظرية المعلومات المتكاملة” (IIT). تقترح النظرية أن الوعي ليس سحرًا، بل هو قدرة النظام على دمج المعلومات.
لقياس ذلك، وضع وحدة قياس تسمى (Φ) أو “فاي”. إذا كان دماغك عبارة عن أجزاء منفصلة لا تتحدث مع بعضها (مثل الكاميرا الرقمية التي تسجل ملايين البيكسلات لكنها لا تفهم الصورة)، فإن قيمة “فاي” تكون منخفضة = وعي منخفض. أما إذا كانت أجزاء الدماغ تتواصل وتدمج الصوت مع الصورة مع الذكرى لتخلق مشهدًا موحدًا، فإن قيمة “فاي” تكون مرتفعة = وعي عالٍ. الوعي، وفقًا لهذا، هو “درجة الترابط”.
طريقة “اطرق واسمع الصدى” (PCI)
لتحويل النظرية إلى تطبيق، طور العلماء تقنية مذهلة تسمى “مؤشر التعقيد الاضطرابي” (PCI). الفكرة تشبه طرق باب لتعرف إن كان هناك أحد في المنزل.
يستخدم العلماء نبضة مغناطيسية قوية (TMS) لـ “طرق” الدماغ، ثم يقيسون “الصدى” الكهربائي الناتج عبر تخطيط الدماغ (EEG).
- في حالة النوم العميق أو التخدير: تكون الضربة بسيطة والصدى يختفي بسرعة (مثل الطرق على جدار مصمت). النتيجة: وعي غائب.
- في حالة اليقظة والأحلام: الضربة تنتشر في الدماغ وتخلق أنماطاً معقدة وطويلة الأمد (مثل الطرق على جرس كاتدرائية). النتيجة: وعي حاضر.
هذه التقنية نجحت بنسبة 100% في التمييز بين المرضى الواعين والفاقدين للوعي، حتى لو كانوا مشلولين تمامًا.
الوعي كطيف لا كمفتاح
ما تخبرنا به هذه المقاييس هو أن الوعي ليس “موجوداً أو غير موجود”. إنه طيف متصل (Spectrum).
هذا يفتح الباب لأسئلة مذهلة: هل يمتلك الطفل حديث الولادة قيمة “فاي” أقل من البالغ؟ هل تمتلك الدلافين وعيًا يقارب البشر؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي يومًا ما أن يطور “فاي” مرتفعة بما يكفي لنتعامل معه ككيان واعٍ؟ العلم لم يعد يسأل “هل”، بل يسأل “كم”.
خاتمة: قياس الظل لا النور
رغم هذه الإنجازات، يجب أن نتحلى بالتواضع. نحن نقيس “بصمة” الوعي الفيزيائية، لا الوعي ذاته.
المعادلات والأرقام قد تخبرنا “أنك واعي”، لكنها لن تخبرنا أبدًا “كيف تشعر” برائحة القهوة أو ألم الفقد. العلم يقيس الهيكل، لكن التجربة الداخلية تظل قلعة حصينة لا يدخلها إلا صاحبها. نحن نقيس الخريطة، لكنك أنت وحدك من يمشي في الأرض.
“جاسم الصفار – Ja16im
كاتب يستكشف العلاقة بين العقل والكون عبر الفن الرقمي والبحث في الوعي.”

- الحقائق التي لا تسعها الرؤوس: هل هناك أفكار صحيحة أكبر من قدرة عقولنا؟
- أفق الإدراك المسدود: ما الذي يعجز الدماغ عن تخيّله مهما تطوّر؟
- ما بعد الأرض: هل يمكن للإنسان أن يصبح “كائنًا عابرًا للكون”؟
- الوداع الأخير للضوء: ماذا يحدث عندما تموت الشمس؟
- تخيل الكائنات الفضائية: لماذا نتخيل الفضائيين دائمًا كنسخة منا؟
