الجسد الهامس: لماذا يمتلك بعض الناس “حساً داخلياً” أقوى من غيرهم؟
هل قابلت شخصاً يخبرك بأنه “يشعر” بأن شيئاً ما سيحدث، وتصدق نبوءته؟ أو ربما أنت ذلك الشخص الذي يشعر بتغيرات مزاجه بمجرد أن تتغير دقات قلبه ولو بشكل طفيف؟
نحن نميل لوصف هؤلاء بأنهم “مرهفو الحس” أو “عاطفيون”، لكن العلم الحديث يضع يده على سبب بيولوجي ملموس. هؤلاء الناس يمتلكون، حرفياً، قناة اتصال فائقة السرعة مع أجسادهم. هذه القدرة تسمى علمياً “الحس الداخلي” (Interoception)، وهي الحاسة التي تحدد مدى عمق تجربتك للوجود.
1. الحاسة الثامنة المنسية
تعلمنا في المدارس أن لدينا خمس حواس تربطنا بالعالم الخارجي. لكننا نسينا الحاسة الأهم التي تربطنا بالعالم الداخلي. “الحس الداخلي” هو النظام الذي ينقل لدماغك حالة أعضائك: سرعة نبضك، توتر معدتك، اتساع رئتيك، وحرارة جلدك.
الأبحاث تظهر تفاوتاً مذهلاً بين البشر. في تجارب المختبر، يطلب العلماء من الأشخاص عد دقات قلوبهم دون لمس معصمهم. البعض يفشل تماماً (حس داخلي منخفض)، والبعض الآخر يعدها بدقة الساعة السويسرية (حس داخلي مرتفع). هؤلاء الذين يسمعون أجسادهم بوضوح يعيشون في واقع مختلف تماماً.
2. سر “الفص الجزيري”: مركز القيادة
الفرق يكمن في منطقة عميقة داخل الدماغ تسمى “الفص الجزيري” (The Insula). هذا الجزء هو المسؤول عن دمج إشارات الجسد وتحويلها إلى “شعور”.
الأشخاص الذين لديهم “حس داخلي” قوي يمتلكون نشاطاً أعلى وكثافة عصبية أكبر في هذا الفص. بالنسبة لهم، الجسد ليس صامتاً. أي تغيير طفيف في البيولوجيا (مثل ارتفاع بسيط في الأدرينالين) يتم رصده فوراً وتضخيمه، مما يولد استجابة شعورية قوية. هم لا يتخيلون الأحاسيس؛ هم يمتلكون “راداراً” عالي الحساسية.
3. الحدة: نعمة أم نقمة؟
امتلاك حس داخلي قوي هو سيف ذو حدين:
- الجانب المشرق (الحدس): هؤلاء الأشخاص يتخذون قرارات أسرع وأحياناً أدق في المواقف الغامضة، لأنهم يقرؤون “إشارات الخطر” الجسدية قبل أن يدركها العقل الواعي. حدسهم هو قراءة بيولوجية دقيقة.
- الجانب المظلم (القلق): الارتباط القوي بالحس الداخلي قد يؤدي للقلق المزمن. الشخص العادي قد لا يلاحظ تسارع قلبه البسيط، لكن صاحب الحس القوي قد يفسر هذا التسارع فوراً على أنه “خطر” أو “نوبة هلع”. العالم بالنسبة لهم مكان صاخب شعورياً.
4. العواطف كبناء جسدي
وفقاً لعالمة الأعصاب “ليزا فيلدمان باريت”، فإن العواطف ليست أشياء تأتينا من الخارج، بل هي تفسير الدماغ لحالة الجسد.
لذلك، الأشخاص ذوو الحس الداخلي القوي يختبرون الحياة “بألوان صارخة”. الفرح لديهم هو اهتزاز كامل في الجسد، والحزن هو ألم مادي في الصدر. هم لا يملكون عواطف “أقوى” بالمعنى النفسي المجرد، بل يملكون بيانات جسدية أغزر تبني هذه العواطف.
خاتمة: إعادة ضبط الصوت
سواء كنت تمتلك حساً داخلياً قوياً أو ضعيفاً، الخبر الجيد هو أن هذا النظام قابل للتدريب. التأمل واليقظة الذهنية (Mindfulness) ليسا ممارسات روحانية فحسب، بل هما تدريب لـ “الفص الجزيري” على تنظيم الصوت.
الهدف ليس إسكات الجسد، ولا الغرق في ضجيجه، بل تعلم لغته. عندما نفهم أن ذلك “الشعور الغامض” هو مجرد رسالة مشفرة من أحشائنا، نتحول من ضحايا لمزاجنا إلى سادة لوعينا.
كتابة وتأمل: جاسم الصفار
الهوية الرقمية: Ja16im
فنان تأملي وكاتب فلسفي يستكشف رمزية الإدراك والمعنى عبر الفن الرقمي، الكتب الثنائية اللغة، والمقالات العلمية التأملية.

- الحقائق التي لا تسعها الرؤوس: هل هناك أفكار صحيحة أكبر من قدرة عقولنا؟
- أفق الإدراك المسدود: ما الذي يعجز الدماغ عن تخيّله مهما تطوّر؟
- ما بعد الأرض: هل يمكن للإنسان أن يصبح “كائنًا عابرًا للكون”؟
- الوداع الأخير للضوء: ماذا يحدث عندما تموت الشمس؟
- تخيل الكائنات الفضائية: لماذا نتخيل الفضائيين دائمًا كنسخة منا؟
